لسان الدين ابن الخطيب

13

معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار

لقد نشأ ابن الخطيب في العاصمة غرناطة ، وتلقى بها دراسته « 2 » ، فقد كانت وقتئذ ميدانا احتشد فيه الأكابر من العلماء والأدباء ، فدرس اللغة والشريعة والأدب على جماعة من أقطاب العصر ، مثل « أبى عبد اللّه بن الفخار الألبيرى » شيخ النحاة في عصره ، « وأبى عبد اللّه بن مرزوق » فقيه المغرب الكبير ، « والقاضي أبى البركات بن الحاج البلفيقى » ، ودرس الأدب والشعر على الوزير « أبى عبد اللّه ابن الحكيم اللخمي » وعلى الرئيس « أبى الحسن علي بن الجياب » ، وغير هؤلاء ، كما درس الطب والفلسفة على حكيم العصر وفيلسوفه الشيخ « يحيى بن هذيل » . فلا نبالغ اذن إذا قلنا : ان غرناطة - في ذلك الوقت - كانت أعظم مركز للدراسات الأدبية والعلمية والاسلامية ، في هذا القطر الغربى من العالم الاسلامي ، وكان هذا من حظ ابن الخطيب إلى حد بعيد . هذا ، وقد تأثر مستقبل ابن الخطيب السياسي بحكم منصب والده ، فمنذ شب عن الطوق ونفسه تطمح للوصول إلى مركز أبيه ، فلما توفى الوالد دعى ابنه للخدمة مكانه ، وكان حينئذ في الثامنة والعشرين من عمره ، حيث تولى أمانة السر لأستاذه الرئيس « أبى الحسن بن الجياب » وزير السلطان أبى الحجاج يوسف الأول النصرى وكاتبه « 3 » ، ثم خلف أستاذه في الوزارة ، وتقلد ديوان الانشاء لهذا السلطان ، وكان ابن الخطيب يومئذ قد ملك زمام أرفع الأساليب شعرا ونثرا ، بفضل أستاذه الراحل ، وظهر أثر هذه التلمذة على رسائله السلطانية ، التي حررها بقلمه على لسان ملوك الأندلس والمغرب ، والتي نعتها المؤرخ ابن خلدون بالغرائب ، وقد جمع ابن الخطيب نفسه منها الكثير في كتابه « ريحانة الكتاب ، ونجعة المنتاب » ، كما أورد المقرى عددا منها في مؤلفه « نفح الطيب » « 4 » ، ويعتبر كتاب ابن الخطيب « كناسة الدكان بعد انتقال السكان » مجموعة من الرسائل السلطانية التي تمثل العلاقات السياسية بين غرناطة والمغرب ، في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي ، على لسان سلطانه يوسف الأول ابن الأحمر ، إلى معاصره في فاس أبى عنان فارس المرينى .

--> ( 2 ) العبر لابن خلدون ج 7 ص 332 . ( 3 ) توفى ابن الجياب بوباء الطاعون الجارف ، في شوال 749 ه ( يناير 1349 م ) . ( 4 ) ج 3 ص 570 ، وما بعدها ، ج 4 في عدة مواضع منه .